نسخة تجريبية

دراسة :تمثلات النساء للعنف بالدار البيضاء


تزامنا مع فترة الحجر الصحي، وفي الوقت الذي ترتفع فيه وتيرة النقاش حول تزايد العنف ضد النساء، وأمام ضعف المعطيات الميدانية وعدم التوفر على معطيات رسمية أو إحصائية، باستثناء بعض المعطيات التي توفرها بعض جمعيات المجتمع المدني، تقدم منصات لقرائها إحدى المفاتيح التي قد تساعد على الفهم. في عام 2013   أنجز فريق بحثي بإشراف السوسيولوجي جمال خليل بحثا ميدانيا حول تمثلات النساء للعنف بالدار البيضاء. ترجم البحث بوشعيب مجدول وعزيز مشواط.  وتجدون هنا مقدمة البحث ورابطا لتحميله كاملا أسفله.

جمال خليل،

ترجمة : عزيز مشواط

لا يحتاج العنف إلى من يترجم معناه. إنه لغة قديمة تعبر على مضض عن نفسها بنفسها. يتحدث مرسل العنف لغة يفهمها جسد المعنف. عندما ينهال رجل أمن على خاصرة متظاهر بالضرب، لا يحتاج إلى أن يشرح حيثيات هذا الفعل، لكنه بزرع الألم في جسد الغير، يكون قد أرسل خطابا واضحا يفهمه المتألم في كينونته.

وفي كل الحالات، يصبح الألم متجددا كلما عادت الذاكرة ٕالى الحدث. ينطوي من يتعرض إلى العنف على نفسه، يتقوقع على ذاته كأي كائن أحادي الخلية تحت صدمة حرارية أو فزيائية، ينطوي على نفسه كأي كائن زاحف يحاول تفادي خطر محدق ووشيك، وقد يشبه في انطوائه إنسان العصر الحجري وهو يواجه خطر الافتراس.

ليس هناك من خيار أمام هذا الخطر سوى الهروب أو الدفاع عن النفس. فأمام العنف لا أثر ولا مجال لتبادل الكلمات، بل ينفتح الباب على مصراعيه أمام متوالية من الفعل ورد الفعل. منذ ملايين السنين، انطبع العنف في الموروثات الجينية للكائنات الحية، منذ الزواحف الأولى  ٕالى الثدييات الكبيرة، انطبع العنف وأصبح لغة لاتحتاج إلى تأويل، لكن معناها يفهمه الجميع.

عندما ينهال مدرس بقطعة من أنبوب بلاستيكي على رأس طفل في المدرسة، عقابا له على حريته أو عصيانه، أو تمرده، فإنما يريد أن يذكره "بالسيد". تحت وقع تكرار الضربات، ينتهي الطفل -رغم وعيه في قرار نفسه بالعكس- بالاعتراف بالسيادة لمعلمه، إذ ينتهي تطويع الجسد غالبا بكسر الإرادة. تحضر هنا لغة العنف لتجبر على قبول ما ل يمكن قبوله. وتحضر ذات اللغة لكي تذكر بالأزمنة الغابرة لاستعباد الناشئة. وتحضر أيضا لتدمغ الجسد بطابعها.

عندما يعنف رجلا شريكته التي أحرقت"الطاجين"أثناء الطبخ، أو لأنها رفعت صوتها، وربما تحدثت بدون ترخيص منه، أو فقط لأنه يريد ضربها بدون سبب، فإنما يفعل ذلك لتذكيرها، وعبرها يذكر كل النساء، بالأزمنة السحيقة لأسلافه الذكور حين كانوا يحتكرون القوة والعنف.وبهذا الفعل يقدم الولاء و التبعية لأسلافه ويغوص عميقا في غابر الأزمنة يتواصل معهم، ويتحدث لغتهم: لغة العنف والعدوان.

في فعله هذا يتصل بشكل مباشر بخط جينات العنف التي ظلت متوثبة ومتيقظة منذ القديم. يمكنه أن يتحرش بامرأة في الشارع، يمكنه شتمها، ويمكن أن يقطع عنها المؤونة إن كانت زوجته، وقد يطاردها خلسة ويعنفها، بل وقد يصل الأمر حد الاعتداء عليها واغتصابها. يمكنه القيام بذلك منفردا أو في ٕاطار جماعي، وهو إذ يقوم بذلك، فإنما لاعتقاده بأن لا شئ يبرر خروج النساء للفضاء العام، لكنه قديلجأ إلى العنف في منزله كمفترس انتهى للتو من اصطياد فريسته والحصول عليها في فضاء مغلق، فيستعملها ويشتط في هذا الاستعمال بشكل إرادي.

بهذا الفعل ينتقل من الأدغال  ٕالى الغابة، ومن الرقعة المسيجة إلى الفضاء المغلق، وفي تنقله هذا يستعيد الغرائز البدائية التي أخفتها قرون الانتقال إلى حالة الثقافة وسيادة القيم. يعود إلى هذه الحالة حينما يتعذر عليه السيطرة على غرائزه. وباستعادة دور المفترس ينسى ممارس العنف أن وظيفة العنف في الأصل لم تكن سوى توفير الحماية وحفظ النوع في وسط قاس. وينسى أيضا أن الثقافة والقيم الأخلاقية تسلمتا المشعل من خلال توفير الحماية المتبادلة للرجال والنساء. وينسى أيضا أن النساء شكلن عنصرا أساسيا في هذه الحماية وفي استمرارية النوع. وأنهن ضامنات استمرارية الجنس البشري. ربما لا يطيق أن تحظى النساء بهذا الامتياز. إنه يريد السيطرة والهيمنة عليهن لضمان السيطرة على مصدر ومنبع هذه الاستمرارية. عبر عصور طويلة من الاضطهاد، فهمت النساء أن المكتسبات ليست نهائية وثابتة. وأن عودة المخزون المكبوت واردة في كل لحظة وحين، وأن هناك خطرا دائما للتواجد أمام لحظة رجل عنيف وقد استفاقت فيه صورة الذكر الباحث عن السيطرة. وبالرغم من قرون من البناء الثقافي، وبناء المجتمع، اخترن التكتل من أجل الدفاع عن النفس، اخترن البقاء على درجة عالية من اليقظة من أجل التذكير بالانحرافات وكشف المؤشرات الدالة على التجاوزات التي يمكن أن تطال النساء حاضرا أو في المستقبل.

تقوم الجمعيات النسائية بالمغرب بهذا الدور التحسيسي منذعقود.تراقب المجتمع وتلاحظ انتشارالسيطرة الذكورية من جديد،كما تلاحظ تزايد وتيرة العنف.تتحرك الجمعيات، وتقترح قوانين اشتغال جديدة أكثر سلامة وأكثر عدالة في مواجهة كل أشكال المقاومة.

الجمعية المغربية لمناهضة العنف ضد النساء واحدة من هذه الجمعيات التي تعتبر أن حماية السلامة البدنية والمعنوية للنساء تقتضي، بالإضافة إلى التضامن والمساعدة الميدانيتين، تقتضي أيضا أدوات فعالة للتأثير في مسار الأحداث والتطورات، وتساهم في إصلاح القوانين التمييزية وتغييرها. ومن أجل ذلك لابد من توفير أرضية ذات فعالية مستمدة من نتائج البحث العلمي.

تشكل هذه الدراسة حول تمثلات العنف بالدار البيضاء مساهمة في بناء هذه الأرضية العلمية، حيث تم إنجازه بدعم ومساعدة من"نساء الأمم المتحدة" بالمغرب. وتأتي الدراسة ضمن برنامج عام يهدف ٕالى تعزيز مبدأ المساءلة الاجتماعية لتحقيق المساواة والوقاية والحماية والقضاء على كل أشكال العنف الموجه ضد النساء.

تََطلب إنجاز هذه الدراسة تكوين فريق عمل تحت إشراف د.جمال خليل أستاذ السوسيولوجيا بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء. أما العمل الميداني فيعود فضل إنجازه إلى الطلبة الباحثين بقسم الدكتوراه بالمركز المغربي للعلوم الاجتماعية، وبمساهمة العديد من الجمعيات المحلية: جمعيات أحياء الدار البيضاء الكبرى وحركة شباب جمعيات أحياء الدار البيضاء الكبرى.

لتحميل الدراسة أضغط هنا