نسخة تجريبية

منصات وتكوين المكوّنين: استثمار في جيل بحثي واعد


في إطار رهانها المستمر على تأهيل الباحثين الشباب وتعزيز كفاءاتهم العلمية والمنهجية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ولا سيما في مجال إعداد وكتابة أوراق السياسات، نظّمت مؤسسة منصات للأبحاث والدراسات الاجتماعية، بمدينة الرباط، ما بين 26 و28 دجنبر 2025، الدورة التكوينية الثالثة ضمن النسخة الرابعة من برنامج «جيل الريادي». وتحمل هذه الدورة اسم المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي، تكريمًا لإسهاماته البارزة في تجديد الفكر السوسيولوجي والنقدي بالمغرب.

وشكّلت هذه الدورة المحطة الثالثة ضمن مسار تكويني يمتد على سنة كاملة، بإشراف نخبة من الأساتذة الجامعيين، ويهدف إلى إعداد جيل جديد من الباحثين القادرين على توظيف أدوات التحليل المنهجي، وتطوير التفكير النقدي، وإتقان آليات إنتاج المعرفة الموجهة للنقاش العمومي وصناعة القرار. وتركز البرنامج على تقوية القدرات البحثية والبيداغوجية للمشاركين عبر جلسات علمية وورشات تفاعلية، تروم تأهيلهم مستقبلًا للاضطلاع بأدوار تكوينية داخل البرنامج، والمساهمة في تكوين أجيال جديدة من الباحثين القادرين على وصل المعرفة الأكاديمية بالفعل المدني. كما تندرج هذه الدورة ضمن مسار إنتاج كتاب جماعي يضم مقالات علمية تمثل أحد المخرجات الأساسية لهذه النسخة.

في شقها الأول، خصصت أشغال الدورة لمواكبة الباحثين في مسار إعداد مقالاتهم العلمية، من خلال عروض تقديمية ناقشت مستوى التقدم المحقق، والمناهج المعتمدة، وزوايا التحليل المقترحة. وأشرف على هذه الجلسات كل من الأستاذ عزيز مشواط، أستاذ علم الاجتماع ومدير مؤسسة منصات، والأستاذ عبد الباقي بلفقيه، أستاذ الأنثروبولوجيا، حيث شكلت هذه الورشة محطة تقييمية مفصلية في المسار البحثي للمشاركين. وتناولت العروض قضايا سوسيولوجية راهنة، من قبيل الجسد، والحرية الفردية، وتمثلات المرأة، وحدود التفاوض بين الفرد والجماعة داخل الفضاءين العام والخاص، مع اعتماد مقاربات سيميولوجية وسوسيولوجية ومقارنة، واستحضار معطيات ميدانية من سياقات حضرية وقروية مختلفة.

وأعقب هذه العروض نقاش علمي معمق ركّز على تقييم البناء المنهجي، وتدقيق المفاهيم المركزية، وضبط زوايا التحليل، مع التأكيد على ضرورة تحقيق توازن منهجي بين الذاتي والموضوعي، وتوضيح الحدود بين التحليل السوسيولوجي والمقاربات السيميائية. كما قُدمت توجيهات عملية لتجويد الكتابة العلمية وتعزيز انسجام الإشكاليات مع المعطيات الإمبريقية، بما يسهم في رفع القيمة المعرفية للمقالات المزمع نشرها.

أما الشق الثاني من الدورة، فخُصص لورشات تطبيقية في كتابة أوراق السياسات، قدّمها المشاركون في أفق إعدادهم للقيام بأدوار تكوينية مستقبلية داخل البرنامج. وتركزت هذه الورشات على تمكين المشاركين من أدوات إنتاج ورقة سياسات باعتبارها وثيقة عملية موجهة للتأثير في النقاش العمومي وإسناد القرار العمومي بمعرفة مركزة وقابلة للتداول. وشمل الاشتغال عناصر أساسية في بناء الورقة، من اختيار الموضوع وصياغة الإشكالية، إلى بناء العنوان والملخص التنفيذي، واستحضار الخلفية والسياق، وصولًا إلى تحليل الوضع الراهن وصياغة توصيات ذات أثر.

وتناولت الورشات محاور متكاملة، من بينها التمييز بين التوصيات والبدائل الممكنة، وأنواع أوراق السياسات وسياقات كتابتها، والفرق بين الخلفية والسياق في البناء التحليلي. وقد أتاح هذا التنوع تعميق الفهم الوظيفي لورقة السياسات بوصفها حلقة وصل بين البحث الأكاديمي وصناعة القرار، ومكّن المشاركين من اختبار قدرتهم على تبسيط المعرفة وتحويلها إلى خطاب حجاجي مؤثر.

واختُتمت الورشات بجلسة تقييم أطرها الأستاذ مصطفى المناصفي، الخبير في مجال إعداد وكتابة أوراق السياسات، شدد فيها على أن التمكّن الحقيقي لا يتحقق باستيعاب الخطوات النظرية فقط، بل يمر أساسًا عبر الممارسة العملية وإنجاز أوراق سياسات متكاملة. كما دعا إلى تطوير البعد التنشيطي في التكوين، وتنويع الأساليب البيداغوجية، واعتماد تقنيات التفاعل وكسر الجليد، مع التأكيد على أهمية مهارات التواصل الشفهي ولغة الجسد وتدبير فضاء العرض، باعتبارها عناصر حاسمة في نجاعة العملية التكوينية.

ويُذكر أن تسمية هذه النسخة من برنامج «جيل» باسم عبد الكبير الخطيبي تندرج في إطار تقليد دأبت عليه مؤسسة منصات، يروم ربط الباحثين الشباب بأعلام الفكر المغربي الذين أسهموا في مساءلة البنى الثقافية والرمزية للمجتمع، وإرساء تقاليد نقدية حداثية تؤمن بدور العلم والمعرفة في فهم التحولات الاجتماعية وبناء مجتمع عقلاني وسليم.