
في خضم سياق اجتماعي يتسم بحركية
متسارعة تعكس عمق التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، وفي ظل نقاش فكري مفتوح
حول قضايا الدين والحداثة وإعادة تشكل الفضاء العمومي، بما يكشف عن تحولات عميقة
في تمثلات الأفراد تجاه هذا الفضاء ووظائفه، يندرج كتاب الباحث د. رشيد العلوي
الموسوم بـ «الدين في الفضاء العمومي: جدلية الإيمان والمعرفة في خطاب الحداثة»
ضمن الأعمال الفكرية التي تسعى إلى مساءلة أحد أكثر المفاهيم إشكالية في الفلسفة
السياسية والاجتماعية المعاصرة، من زاوية نقدية تجمع بين العمق النظري والراهنية
التحليلية.
تنبع أهمية هذا الكتاب من كونه لا
يكتفي بعرض نظرية الفضاء العمومي كما تبلورت في الفكر الغربي الحديث، بل يتجاوز
ذلك إلى تفكيك أسسها المعرفية، وتتبع تحولاتها وسجالاتها الداخلية، خاصة داخل
النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت في امتداديها: الجيل الثاني والجيل الثالث.
ويكتسب الكتاب قيمته المضافة من زاويتين أساسيتين: أولاهما، قدرته على الربط بين
مسألة الدين والفضاء العمومي في لحظة تاريخية يشهد فيها الدين عودة قوية إلى
المجال العمومي، بما يفرض إعادة التفكير في جدلية الإيمان والمعرفة خارج المقاربات
الاختزالية. وثانيتهما، إسهامه في تجديد النقاش العربي حول الحداثة، والديمقراطية،
والمواطنة، من خلال استيعاب نقدي لأعمال فلاسفة وسوسيولوجيين بارزين، من قبيل
يورغن هابرماس، أوسكار نيغت، نانسي فريزر، وسيلا بن حبيب، دون الوقوع في التلقي
الحرفي أو النقل الوصفي.
يتكون الكتاب من أربعة فصول مترابطة تشكل، في مجموعها، مسارًا تحليليًا متدرجًا ينتقل من التأسيس النظري إلى النقد، ثم إلى توسيع أفق المفهوم في ضوء التحولات العالمية. ففي الفصل الأول، يعالج المؤلف نظرية الفضاء العمومي عند يورغن هابرماس، كاشفًا عن مرتكزاتها الفلسفية والسوسيولوجية والسياسية، ومبيّنًا كيف ظل هذا التصور، رغم نشأته في سياق أوروبي خاص خلال ستينيات القرن الماضي، محتفظًا براهنيته وقدرته على إثارة نقاشات حادة داخل التيارات الماركسية والليبرالية على السواء. ويولي الباحث عناية خاصة بالجذور الفكرية الهابرماسية، من خلال قراءة نقدية لتأثره بكانط وهيغل وماركس وماكس فيبر، مع إبراز ملامح مشروعه النسقي في الفكر المعاصر.
أما الفصل الثاني، فيخصص لمناقشة
أبرز الانتقادات التي وُجّهت إلى أطروحة الفضاء العمومي البورجوازي، حيث يركز
الباحث على مفهوم الفضاء العمومي البروليتاري أو المعارض كما صاغه أوسكار نيغت،
مبرزًا كيف أعاد هذا الأخير الاعتبار لدور الطبقة العاملة والفئات المهمّشة، مثل
النساء والطلبة والشباب الأجير، في تشكل المجال العمومي انطلاقًا من خبرة الممارسة
السياسية والنقابية. كما يتوقف عند مفهومي خوصصة الفضاء العمومي عند ريتشارد
سينيت، وأفلاطونية الفضاء العمومي عند ليشك كولاكوفسكي، لفهم أزمة الرأسمالية
المعاصرة وحدود الديمقراطية الليبرالية.
وفي الفصل الثالث، ينتقل الكتاب
إلى تحليل مفهوم الفضاء العمومي ما بعد البورجوازي أو العابر للأوطان لدى نانسي
فريزر، التي تنتقد مركزية النموذج الأوروبي، وتبرز خصوصية التجربة الأمريكية، ودور
الحركات النسوية، وحركات السود، والنقابات، في إعادة تشكيل المجال العمومي. كما
تناقش حدود الدولة-الأمة، وتقترح بديلًا يتمثل في فضاء عمومي كوني يتجاوز الحدود
السيادية، تلعب فيه الحركات الاجتماعية العابرة للقارات دورًا محوريًا.
أما الفصل الرابع، فيختتم بتركيب
نظري يبرز عمق السجال بين الجيلين الثاني والثالث لمدرسة فرانكفورت، ويبيّن كيف
أفرزت تحولات ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وصعود النيوليبرالية، وعولمة
الرأسمال، في المقابل، عولمةً للاحتجاج والمقاومة، تتجلى في المنتدى الاجتماعي
العالمي، وحركات مناهضة العولمة، والدفاع عن البيئة، والسلام، وحقوق المهاجرين.
يخلص الكتاب إلى أن الفضاء
العمومي لم يعد حكرًا على طبقة اجتماعية أو أمة أو نموذج ثقافي بعينه، بل أصبح
مجالًا مفتوحًا لتفاعل قوى اجتماعية متعددة، تتقاطع فيه الإيمان والمعرفة، المحلي
والكوني، والسياسي بالأخلاقي. كما يبيّن أن النقاش حول الدين في الفضاء العمومي ليس
نقاشًا حول الإقصاء أو الحضور فحسب، بل هو نقاش حول شروط المشاركة، وأنماط
العقلانية، وإمكانات التعايش الديمقراطي.
وبهذا المعنى، يشكل هذا الكتاب
إضافة نوعية إلى الفكر الفلسفي العربي المعاصر، ومرجعًا مهمًا للباحثين في الفلسفة
السياسية، وعلم الاجتماع، والدراسات الدينية، ولكل من يسعى إلى فهم تحولات الحداثة
وأسئلتها المفتوحة في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.
