نسخة تجريبية

إصدار جديد : سويولوجيا التفاوضية



في سياق يعرف تحولات اجتماعية متسارعة ونقاشات متزايدة حول القيم والهوية والعلاقة بين الفرد والمجتمع، صدر مؤخرًا كتاب يحمل عنوان «سوسيولوجيا التفاوضية: نحو براديغم جديد لفهم مغرب اليوم» للسوسيولوجي المغربي عزيز مشواط، يقترح من خلاله قراءة مغايرة للمجتمع المغربي، تتجاوز المقاربات التقليدية القائمة على ثنائيات الصراع أو القطيعة. ينطلق الكتاب من فكرة بسيطة لكنها عميقة مفادها أن المجتمع المغربي لا يُفهم من خلال منطق الانفجار أو التناقض الحاد، بل من خلال دينامية مستمرة من التفاوض، تشكل في العمق الطريقة التي يدير بها الأفراد والمؤسسات علاقاتهم اليومية.
 
يبيّن كتاب مشواط، مدير مؤسسة منصات للابحاث والدراسات الاجتماعية، أن التفاوض لم يعد مجرد آلية ظرفية لحل النزاعات، بل أصبح نمطًا عامًا من التفاعل الاجتماعي يمتد إلى مختلف مجالات الحياة. فالعلاقات داخل الأسرة، والتفاعلات داخل المؤسسات، وحتى الممارسات المرتبطة بالدين أو القيم، لم تعد تُدار فقط عبر الامتثال أو الصراع، بل عبر أشكال متعددة من التكييف والتأويل وإعادة التفاوض. في هذا السياق، لا يقوم التعايش داخل المجتمع على إجماع تام، بل على توازنات دقيقة يتم إنتاجها باستمرار، تُمكّن من تدبير الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع مفتوح. وهو ما يفسر كيف ينجح المجتمع المغربي في الحفاظ على قدر من الاستقرار رغم تعدد التوترات والتحولات التي يعرفها.
 
أحد أبرز إسهامات الكتاب يتمثل في إعادة النظر في مفهوم السلطة، حيث لا تُفهم فقط كعلاقة تقوم على الإكراه، بل كعلاقة مركبة تشمل أيضًا الإقناع والاعتراف والإشراك. وبهذا المعنى، لم تعد المؤسسات، سواء كانت إدارية أو تعليمية أو أسرية، تشتغل كبنيات مغلقة تفرض القواعد من الأعلى، بل كفضاءات يتم داخلها إعادة التفاوض حول الأدوار والمعايير بشكل مستمر. هذا التحول يعكس تغيرًا أعمق في طريقة اشتغال المجتمع، حيث لم يعد الضبط الاجتماعي يقوم على الامتثال وحده، بل على تفاعلات مرنة تتشكل داخلها القواعد بشكل تدريجي.
 
ويقدم الكتاب صورة مغايرة للفاعل الاجتماعي في المغرب، إذ لا يظهر الفرد باعتباره خاضعًا بشكل كامل للقيم أو متمردًا عليها بشكل جذري، بل كفاعل تفاوضي يتحرك داخل هوامش مرنة، يكيّف سلوكه حسب السياقات، ويعيد تعريف علاقته بالقيم والمؤسسات. هذا الفهم يساعد على تفسير عدد من الظواهر التي تبدو متناقضة في الظاهر، مثل تأخر سن الزواج، وتغير بنية الأسرة، وتنوع أشكال التدين، وبروز احتجاجات غير تقليدية. فهذه التحولات لا تُقرأ كعلامات على تفكك المجتمع، بل كتعابير عن مسار تفاوضي يعيد تشكيله من الداخل.
 
في خضم النقاش المتزايد حول ما يُوصف بأزمة القيم، يقترح الكتاب زاوية نظر مختلفة، إذ يدعو إلى فهم ما يجري ليس كتفكك أو انهيار، بل كمرحلة انتقالية تعرف إعادة تركيب للمعايير. فالقيم التي كانت تُنقل بشكل عمودي من خلال مؤسسات التنشئة التقليدية، مثل الأسرة والمدرسة، أصبحت اليوم موضوعًا للنقاش والتجريب والاختيار. وهو ما يعكس صعود دور الفرد في تحديد مساراته الحياتية، دون أن يعني ذلك اختفاء المرجعيات أو تراجع الدين، بل إعادة تأويلهما داخل سياقات جديدة ومتعددة.
 
ولا يكتفي الكتاب بالتنظير، بل يستند إلى قراءة ميدانية ومعطيات واقعية، مما يمنحه قوة تفسيرية تتجاوز الطرح المجرد. فهو يربط بين التحولات القيمية والسلوكية التي يعرفها المجتمع المغربي، وبين الإطار النظري الذي يقترحه، ما يجعله أداة لفهم ما يجري على مستوى الحياة اليومية، وليس فقط داخل الحقل الأكاديمي.
 
تتجلى أهمية هذا العمل في كونه يقدم مفتاحًا لقراءة مجتمع معقد يصعب اختزاله في تصنيفات جاهزة. ففي وقت تتسارع فيه التحولات، وتتصاعد فيه النقاشات حول الهوية والدين والحريات، يوفر مفهوم "التفاوضية" أداة تحليلية لفهم كيف يدير المجتمع هذه التوترات دون أن ينفجر. فالاستقرار، في هذا المنظور، لا يُفهم كنتيجة لانسجام تام، بل كحصيلة لتوازنات تفاوضية دقيقة يتم إنتاجها باستمرار عبر تفاعلات الأفراد والمؤسسات.
 
 لا يقدم هذا الكتاب أجوبة جاهزة بقدر ما يفتح أفقًا جديدًا للتفكير في المجتمع المغربي، ويدعو إلى إعادة النظر في الأدوات التي نستخدمها لفهم التحولات الاجتماعية. وبين من يرى المجتمع في حالة أزمة، ومن يراه محافظًا على تماسكه، يقترح هذا العمل قراءة ثالثة قوامها أن المغرب ليس مجتمع قطيعة، بل مجتمع يتفاوض مع ذاته باستمرار.