نسخة تجريبية

شراك : سؤال وظيفة السوسيولوجيا في زمن الجائحة!


يواصل الباحث السوسيولوجي أحمد شراك مسيرة التفاعل مع الأحداث والوقائع الكبرى. فبعد منجزه المتمثل في سوسيولوجيا الربيع العربي، والذي فاز عنه بجائزة المغرب للعلوم الاجتماعية، أصدر كتابا جديدا بعنوان "كورونا والخطاب: مقدمات ويوميات". ويتخذ المؤلف شكل يوميات تأملية تفاعل معها شراك من موقع المتأمل بعين سوسيولوجية تحاول التقاط أسئلة المجتمع من خلال ردود أفعال المؤسسات والأفراد وتفاعلاتهم مع سياق الجائحة.

ويأخذ الكتاب الصادر حديثا عن مؤسسة مقاربات للنشر صيغة كرونولوجية تمتد ما بين  16 مارس و24 أبريل من خلال عناوين تعود إلى ربط كورونا بعدد من التيمات من قبيل التعليم، الثقافة، الإعلام، الاحتجاج، الإشاعة، البحث العلمي، الهشاشة، السوسويولوجيا، وغيرها.

ويصف شراك الكتاب، الذي يضم 145 صفحة، في المقدمة باعتباره " يزاوج بين السؤال السوسيولوجي والتأمل الفكري في ارتباط مع الخطاب اليومي من أجل تشخيص عصر كورونا، بل واستشراف المستقبل عبر هذه المقدمات أو المفاتيح لقضايا كبرى وصغرى، قابلة لنقاش علمي أكثر برودة فيما بعد.."

ولم يترك شراك الفرصة تمر دون أن يسائل السوسيولوجيا في المغرب. وطرح شراك عدد من الأسئلة الإبستيمولوجية لعل اكثرها استشكالا قضية المفهمة متسائلا "هل يمكن الحديث عن مجتمع َمحجور؟ مجتمع معزول؟ أو مجتمع ُمبعد؟ هل المجتمع ما قبل الجائحة هو المجتمع الآن وهنا؟ في هذا الحجر الصحي الممتد في الزمان والمكان، في هذا الكوكب الأرضي المْقَفل".

وعلى صعيد المنهج، يعتبر شراك إن هذه الأشكلة المفاهيمية تطرح بدورها أشكلة إبستمولوجية بالنسبة للسوسيولوجيا خاصة على الصعيد الميتودولوجي بل والتخصصي؟ فعن أي سوسيولوجيا نتحدث؟ هل عن سوسيولوجيا الصحة؟ أم سوسيولوجيا الجنس، وسوسيولوجيا الأسرة وسـوسيولوجيا النوع الاجتماعي أو سوسيولوجيا الطفولة أو سوسيولوجيا الثقافة وسوسيولوجيا القراءة، أو سوسيولوجيا الكتابة أو سوسيولوجيا السياسة... بعبارة واضحة هل يمكن الحديث عن تخصص بصيغة المفرد؟ أم بصيغة الجمع؟ بل وأكثر من ذلك عن سوسيولوجيا تركيبية حقا فيما بينها، وما بين العلوم الاجتماعية خاصة، والعلوم الحقة عامة".

وإذا كان الاعتقاد يسود بأن سوسويولوجيا الصحة أو سوسويولوجيا المرض كفيلتان بتوفير الإطار النظري لمقاربة الجائحة، فإن لشراك رأيا آخر حيث "يمكن القول بأن سوسيولوجيا الصحة، محدودة في إمكانياتها الإبستمولوجية قبل المردودية البحثية؟ فالأمر هنا لا يتعلق ببحث اجتماعي حول تداعيات وسلوكيات المرضى بالسرطان أو السيدا أو السكري أو السل.. إنه فيروس متحرك مجهول الهوية، ليس الهوية البيولوجية فقط، بل والهوية السياسية والدولية ؟ وإن كان ما يهم السوسيولوجيا هو «الحالة الاجتماعية» في إبان الحجر، وتداعياتها ونتائجها فيما بعد، فما هي ملامح هذا المجتمع المحجور حاليا؟ ما هي روابطه وعلائقه الاجتماعية، هل تغيرت؟ أم بقيت ثابتة، ما هي تداعيات هذا الحجر على مختلف الروابط والعلاقات الاجتماعية في هذا الحجر..." يقول الباحث.

ويذهب الباحث أكثر من ذلك، وهو يناقش تداعيات الجائحة على تطور علم الاجتماع بالخصوص حيث يعتبر بأنه من الضروري العودة لسؤال البدايات لتعريف السوسيولوجيا من جديد وطرح سؤال وظيفتها. وهنا يقول " نحن في حاجة إلى طرح سؤال البداية، أقصد سؤال ما السوسيولوجيا؟ كما طرح جيل دولوز وفيليكس غاتاري ما الفلسفة؟، يمكن معاودة السؤال، بطريقة سوسيولوجية، ليس على مستوى الأفق النظري، بل وعلى المستوى الميتودولوجي والميداني أيضا، ولعل السوسيولوجيا في حاجة إلى هكذا أسئلة من أجل المدارسة والمناظرة والمساجلة حتى، فالجدل ضروري ما بين الحلم والواقع، ما بين السوسيولوجيا والمجتمع.. فأية أنظار وأفكار لحال ومآل المجتمع (المجتمعات) اليوم وغدا.. قد تكون أسئلة ضاغطة في هذه اللحظة، بل وعابرة، تؤدي إلى تحولات علمية أو تحولات مجتمعية ومجتمعاتية ولكل قلق هذه الأسيئلة يقتضي التأمل العميق بناء على تحديد ماهية المجتمعات القادمة ، الإنسان القادم بناء على براديغمات جديدة في تحديدهذه الماهيات وفق مخيال سوسيولوجي جديد".

يذكر أن أحمد شراك يشكل واحدا من بين كل المثقفين الذين طبعوا الفعل الثقافي المغربي في الثلاثين سنة الأخيرة نقدا، تحليلا ودراسة وحافظوا على استمرارية الإنتاج في مجالات متعددة مع القدرة  على كشف قارات معرفية جديدة وعتبات بحثية متقدمة. من الناحية الكمية، تجاوز رصيده العشرين كتابا، أما من الناحية الكيفية، فإن شراك كان دائما السباق إلى اقتحام مجالات معرفية جديدة اعتبر في ما بعد رائدها من قبيل سوسيولوجيا الهامش وسوسيولوجيا الثقافة وغيرها.

وللإشارة فإن دار النشر مقاربات، التي يديرها الباحث جمال بوطيب، كانت قد أعلنت غداة صدور الكتاب عن توفيره مجانيا في نسخته الإلكترونية لتحميل الكتاب اضغط هنا.