نسخة تجريبية

ريتشارد سويدبرج : فن النظرية الاجتماعية


  • العنوان: فن النظرية الاجتماعية (The Art of Social Theory).
  • المؤلف: ريتشارد سويدبرج.
  • المترجم: خالد عبد الفتاح وآخرون.
  • الناشر: مكتبة الأنجلو المصرية، 2020.
     

    مجيب الحميدي،

    باحث يمني في العلوم الاجتماعية

اعتاد الباحثون في العلوم الاجتماعية على دراسة النظريات الكلاسيكية الجاهزة في علم الاجتماع، وتطبيقها في حقول متجددة ومعقدة. ونتيجة العجز عن مواكبة التعقيدات الواقعية بتنظير جديد يتلاءم مع طبيعة كل مشكلة، تراكمت صورة سلبية عن التنظير في العلوم الاجتماعية، وانعكس ذلك على درجة الموثوقية بقيمة نتائج الدراسات الاجتماعية. ومن هذه الإشكالية نشأت فكرة هذا الكتاب الهادف لتشجيع الباحثين على خوض غمار التنظير الإبداعي، وتبسيط مفاهيم التنظير ومهاراته للباحثين في الحقل الاجتماعي.

من المسلمات الأساسية التي ينطلق منها هذا الكتاب: الإيمان أن التنظير ملكة اكتسابية يمكن أن يتعلمها الراغبون في خوض غمار البحث الاجتماعي. ويقدم المؤلف البرهنة العملية على هذه المسلمة في فصول هذا الكتاب، والتي نقدمها هنا بعرض سريع موجز.

واقع النظرية وآفاق التنظير

   "التنظير العقيم" كلمة ترد كثيرًا على مسامعنا، وتعكس الصورة القاتمة لواقع التنظير واقترانه بكل ما لا جدوى منه. وبقدر ما ينطوي عليه هذا التوصيف من استفزاز وتعميم اعتباطي، فإن من الإنصاف أن نعترف بمسؤولية واقع التنظير في العلوم الاجتماعية في ترسيخ هذه الصورة السلبية عن ممارسة التنظير، والصورة الذهنية للنظرية الاجتماعية. تزامن ذلك مع تصاعد الاهتمام بالدراسات الإمبيريقية التطبيقية، والتركيز على مناهج البحث الكمية والكيفية على حساب النظرية الاجتماعية.

   الكتاب الذي بين أيدينا، فن النظرية الاجتماعية، يحاول إعادة الاعتبار للتنظير الاجتماعي، ويقدم صورة علمية عملية للتنظير، مع دليل إرشادي عملي لكل من يريد أن يتعلم التنظير في مجال العلم الاجتماعي بطريقة إبداعية. يستهدف الكتاب كذلك من يريد تدريس هذا التنظير لغيره من الباحثين في مجال العلم الاجتماعي. أما مؤلف الكتاب فهو المفكر الاجتماعي الأمريكي السويدي الأصل ريتشارد سويدبرج، أستاذ علم الاجتماع في جامعة كورنيل بالولايات المتحدة الأمريكية. وقد صدرت الطبعة الأصلية من الكتاب باللغة الإنجليزية عام 2014. ومع اعتماد المؤلف على مصادر متعددة في الفلسفة وعلم الاجتماع، إلا أن تأثره الكبير بفكر الفيلسوف وعالم المنطق الأمريكي تشارلز بيرس كان واضحًا، مع اختلافات بسيطة لخصها في خاتمة الكتاب.

   يقدم الكتاب مادة جديدة تختلف عمَا دأب الباحثون في مجال العلم الاجتماعي على تعلمه من خلال قراءة النظريات الاجتماعية وتاريخها وروادها، وظروف نشأتها وأصولها وأنساقها الفكرية والإيديولوجية، ومحاولة تطبيق نظريات جاهزة في تفسير ظواهر يُعتقد أنه متشابهة. فهذا الكتاب يقدم تصورًا أوليًّا لكيفية إعداد نظرية ما، وكيفية التفاعل معها في البحث الإمبيريقي وتطويرها، وكيفية تدريسها بكفاءة وفاعلية، ويمثل دليلًا عمليًّا للباحثين الشباب في التنقيب عن الأفكار وتجميعها وتركيبها والخروج بنظرية أصيلة.

من سياق الاكتشاف إلى سياق التعليل

  يفرق سويدبرج بين النظرية والتنظير، فالتنظير هو الفعل الإبداعي الذي يأتي في مرحلة الاكتشاف، وتأتي النظرية بعد ذلك في سياق التعليل كنتيجة للممارسة السابقة للتنظير. والتنظير هو العملية التي تسبق وضع النظرية في شكلها النهائي في هذه الرؤية الجديدة للتنظير كممارسة عملية. ويرى سويدبرج أن الباحثين اعتادوا على التعامل مع النظرية كمعطى جاهز؛ فالطلبة اليوم وبنسبة 100% تقريبًا، يتعرضون للنظرية كما تظهر في سياق التبرير. وهذا يعني أنه يتاح لهم فقط معرفة النظرية بعد اكتشافها وتحولها إلى نسخة صالحة للنشر؛ مما يعني أن الطريقة الفعلية لاكتشاف نظرية وتطويرها عبر مراحلها المدهشة من التجربة والخطأ في بنائها تظل مغيبة عن الطلبة الباحثين. ويعزو المؤلف ذلك إلى القفز على سياق الاكتشاف إلى سياق التعليل. و"يشير تعبير سياق الاكتشاف إلى المرحلة التي يتم فيها توليد الأفكار الجديدة المتعلقة بكيفية تفسير ظاهرة ما. ويشير سياق التعليل إلى المرحلة التي تأتي بعد ذلك، أو حيت تعطى الأفكار الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه عندما تقدم للمجتمع العلمي"[1].

كيف نبدأ؟ "لا تفكر ولكن انظر"     

   وفقًا للنظام المعمول به حاليًا في معظم المؤسسات البحثية، يقدم الباحث خطة أولية للبحث تتضمن وصفًا تفصيليًّا للمشكلة التي يريد دراستها، إلا أن سويدبرج يرى أن الابتداء بهذه الطريقة يعقد عملية تقديم مقاربة جديدة وجذابة للموضوع؛ لأن هذا التحديد يقطع الطريق على رغبة الباحث باستكشاف أشياء جديدة أثناء عملية البحث. ويقترح سويدبرج أن تتألف العملية من مرحلتين: المرحلة الأولى قبل وضع الخطة ويسميها المؤلف مرحلة "الدراسة المسبقة" (Prestudy)، وبعدها تأتي مرحلة الدراسة الرئيسية (Mainstudy)، وتبدأ الدراسة المسبقة بالملاحظة الاجتماعية "كخطوة أولى للسير في طريق بناء النظرية، على اعتبار أن علم الاجتماع علم تجريبي يبدأ فيه الباحثُ العمليةَ البحثية بالإقرار أنه لا يعرف شيئًا عن الظاهرة المقرر دراستها. والهدف الأساسي للملاحظة في هذه المرحلة الحصول على أكبر قدر من المعلومات، مع التنبيه على ألا تكون هذه الملاحظة سطحية، فالمطلوب أن تكون الملاحظة بعين سوسيولوجية ترى ما لا يراه الآخرون. ويذكرنا سويدبرج هنا بالقول المأثور عن الفيلسوف فيتجنشتاين في كيفية التفلسف (أي التنظير): "لا تفكر ولكن انظر". وينصح فيتجنشتاين الباحثين بالاستفادة من نتائج الدراسات الجديدة في علم الإدراك للتوصل إلى قواعد عملية يتبعونها في تحسين قدرتهم على الملاحظة. وعندما يبدأ الباحث بملاحظة الأمور سينجذب إلى شيء ما يلفت نظره، ويستثير حب الاستطلاع لديه؛ لتعارضه مع ما كان يتوقع العثور عليه، ويشكل مشكلة ويصيبه بالدهشة. ويكون دور الباحث في هذه المرحلة صياغة المشكلة صياغة سليمة. ويشير المؤلف هنا إلى أن الملاحظة تشمل الاطلاع على الدراسات السابقة، والتراكم التاريخي للمعرفة.

مرحلة التسمية وتحديد المفاهيم

   بعد استكمال عملية الملاحظة تبدأ مرحلة بناء النظرية بتسمية الظاهرة وتثبيتها. ولأننا نناقش ظاهرة اجتماعية، فمن الأفضل اختيار اسم يعكس الصفة الاجتماعية. يشير الكتاب إلى مقاربات مختلفة في موضوع التسمية في مجال العلم الاجتماعي، فالبعض يفضل استخدام كلمات شائعة ومفهومة، والبعض يفضل ابتكار كلمات جديدة أو إضفاء معانٍ جديدة على كلمات قديمة. وبعد مرحلة التسمية تبدأ مرحلة توظيف المفاهيم أو استحداثها بواسطة تحويل الاسم الذي أطلقناه على الظاهرة إلى مفهوم، ويعني ذلك جعل الاسم أكثر منطقية، فالمفهوم كما ينقل المؤلف عن الفيلسوف الموسوعي تشارلز بيرس هو المضمون المنطقي لكلمة ما أو لفكرة ما[2]. وبعد مرحلة تحديد المفهوم نحتاج إلى تعريف هذا المفهوم وتحديده. وهنا يحذر المؤلف من الاندفاع في استحداث تعريف ما لما قد يتضمنه هذا الاندفاع من إصدار حكم على شيء، "إذ ليس في الإمكان -غالبًا- استحداث مفهوم ما قبل أن يكون البحث قد جرى مجراه"[3].

من البناء إلى التفسير

   يستهل المؤلف الفصل الرابع بالعبارة المشهورة لفرنسيس بيكون في الأورجانون الجديد حول تقسيم الباحثين الشباب في العلم الاجتماعي والتي تشير إلى وجود فصيلين: "أهل التجربة وأهل الاعتقاد. أهل التجربة أشبه بالنَّمل، يجمعون ويستعملون فحسب، وأهل العقل أشبه بالعناكب، تغزل نسيجَها من ذاتها. أمَّا النحلة فتتخذ طريقًا وسطًا بين الاثنين: تستخلص مادةً من أزهار البستان والحقل، غير أنها تحوِّلها وتهضمها بقدْرتها الخاصة"[4]. ويتساءل المؤلف: كيف ينتج الباحث الاجتماعي العسل الحلو الذي أشار إليه بيكون؟ ويجيب أن على الباحث عدم الاكتفاء بالملاحظة، وتسمية الظاهرة، وصياغة المفاهيم، ولكن يجب أن يكون قادرًا على تحليل الظاهرة وتفسيرها بشكل جيد، ويشير إلى أهمية امتلاك مهارات التفسير، والقدرة على استخدام التشابه، وتحديد ما تشترك فيه الظاهرة المدروسة مع ظواهر أخرى.

يؤكد المؤلف عدم الاكتفاء بالتفكير المنطقي عند ممارسة التفسير، وأنه يجب غالبًا استخدام الخيال والحدس والتأمل. وهنا يبين أهمية تدريب الباحث لقدرته على التخمين الصحيح والتعرف إلى أنواع كثيرة من التفسير عند البحث عن تفسير معين. ويعرض المؤلف منهج بيرس في الاعتماد على الاستنباط كشكل من أشكال التخمين الصحيح، فالاستنباط حسب بيرس "هو عملية تكوين فرض تفسيري"، والتفسير الناتج عن الاستنباط هو مجرد تفسير محتمل حتى يتم اختبار صحته.

الاستدلال في سياق التنظير

 يستلزم التنظير الإبداعي إحاطة الباحث بقواعد الاستدلال. ولكن المؤلف يقلل من أهمية هذه القواعد باعتبار الاستدلال خاصية فطرية متأصلة في الإنسان يمارسها باستمرار ويكتسبها بالتجربة والتمرن عند حل المشكلات. ويشير المؤلف إلى حاجة الباحث في التنظير الإبداعي إلى نوع مرن وحديث من الاستدلال يسمح له بتنظير جديد.

يقدم المؤلف في الفصل الخامس خلاصات مركزة لبعض الدراسات السابقة عن مناهج الاكتشاف والاستدلال في العلوم الاجتماعية. ومن المراجع الحديثة التي أشار إليها كتاب هوارد بيكر الذي صدر عام 1998 بعنوان حيل المهنة: كيف تفكر في بحثك أثناء تنفيذه؟ وكتاب مناهج الاكتشاف: الاستدلال للعلوم الاجتماعية، الذي صدر عام 2004 لأندرو آبوت. يهتم الكتاب الأول بالحيل العلمية التي تساعد الباحث في إجراء الأبحاث وتحليل البيانات، ويشجع كتاب آبوت الباحثين على استخدام مقاربات مختلفة للمشكلات، للتوصل لاكتشافات جديدة مثيرة للاهتمام. وضع المؤلف قائمة باستدلالات آبوت ومنها: "الاستدلال الروتيني للعلوم الطبيعية بإضافة متغير جديد أو ما شابه، والاستدلال البحثي بإجراء تشبيه أو استعارة منهج، والاستدلال الجدالي بصياغة ما هو واضح على نحو إشكالي أو إجراء انعكاس أو صياغة فرضية أو تصور مفاهيمي، والاستدلالي الوصفي بتغيير السياق وتغيير المستويات ووضع الشروط كالتجميع والتجزئة، والاستدلال السردي بالتوقف والاستكمال، وتبني ورفض الاحتمال، وتحليل الوظائف الكامنة، وتحليل الحقائق المضادة، والاستدلال النمطي بتكرار البناء"[5]. ويعلمنا المؤلف في خاتمة هذا الفصل كيفية تطوير قواعدنا الخاصة في الاستدلال التي استنبطها من تجربته الخاصة، وهي على النحو التالي: "افعل ما لا يفعله الآخرون، استخدم اللاوعي الخاص بك، لا تتوقف مبكرًا، لا تضيع في اللغة"[6].

بيداغوجية التنظير

 "يمكنك التنظير بشكل جيد في العلوم الاجتماعية، إذا اكتسبت فقط طريقة جيدة في التفكير ومجموعة جديدة من العادات العقلية"[7]. هكذا يشرح المؤلف عبارة لفيتجنشتاين تؤكد أن العمل على الفلسفة هو عمل على النفس، على تصورات الشخص الخاصة، وعلى كيفية رؤيته الأشياء. ويرى المؤلف أن هذه العبارة تنطبق في حالة تعلم كيفية التنظير، أو تعليم الآخرين كيفية التنظير.

يخصص المؤلف الفصل السابع لتقديم تدريبات عملية على التنظير تشمل هاتين الحالتين. ويستطرد في شرح طريقته القديمة في التدريب على التنظير ابتداءً من اختيار الموضوع، إلى التفسير التجريبي مع استخدام أسلوب التداعي الحر للمعاني أثناء النقاشات الجماعية، ومحاولة تحفيز الخيال بقراءة نصوص شعرية وفلسفية. وبعد تناوله جوانب القصور في هذه الطريقة، قام بتفصيل الطريقة الجديدة القائمة على اختيار موضوع جديد للمتعلمين يثير اهتمامهم ولم يسبق لهم العمل عليه، وإجراء بحث سريع حول هذا الموضوع وتسجيل ملاحظات أولية وتطوير المفاهيم المتعلقة به، واستكمال الخطوات التي شرحها في الفصول السابقة. ويذكرنا المؤلف في خاتمة هذا الفصل بـــ"الطرق الثلاث التي يجب أن يقوم بها الفيلسوف، كما أشار سقراط"، ويرى أنها ملهمة في بيداغوجية التنظير. "يقول سقراط: يجب أن يعمل الفيلسوف كقابلة (midwife) ولادغة (stigray) وذبابة ماشية (gadfly)، فالمتدربون هم من تقع عليهم مسؤولية ولادة الأشياء الثمينة، ودور المدرب هو دور القابلة للمساعدة على الولادة.

من التنظير إلى النظرية: الحاجة إلى المعرفة الاجتماعية

  الممارسة المحترفة للملاحظة في مرحلة التنظير الإبداعي لا تأتي دون بصيرة نظرية وخلفية معرفية واسعة بالعلم الاجتماعي. فكلما ازداد تطويرنا لما يسميه هيوز "العين السوسيولوجية"، ازدادت قدرتنا على تمييز ما هو اجتماعي في الظواهر التي نلاحظها، وقدرتنا على مشاهدة الأشياء من وجهة نظر اجتماعية. فكيف يمكن تطوير هذه القدرة؟ استهل المؤلف الفصل الثامن بطرح هذا السؤال لتأكيد أهمية المعرفة الاجتماعية في عملية تعلم التنظير. "فلكي تكون منظرًا ماهرًا في علم الاجتماع، تحتاج إلى قدر من المعرفة بالنظرية الاجتماعية، وأن تكون قادرًا على معالجة ذلك بشكل جيد. على سبيل المثال، يجب عليك أن تأخذ المفهوم من نظرية ما، وتجمعه مع مفهوم آخر من نظرية ثانية، وقد تحتاج إلى إهمال جزء معين من النظرية وأن تستبدله بفكرة جديدة من عندك، وهكذا"[8]. وغياب المعرفة الاجتماعية سيحول الباحث إلى مجرد هاوٍ غير محترف يفتقد البصيرة النظرية والخلفية المعرفية. ومن المهم في هذا السياق معرفة نوعية المعرفة التي نحتاج إليها. يشترط سويدبرج أن يكون لدينا نوعان من المعرفة: "أولًا أنت تحتاج إلى أن تكون لديك معرفة عميقة بما يجعلك تنظر إلى شيء ما من منظور اجتماعي. ثانيًا يجب أن تكون على دراية ومعرفة بعدد من المفاهيم والآليات والنظريات المختلفة"[9]. ويؤكد المؤلف أهمية الاستيعاب العميق لهذا النوع من المعرفة، ويلخص أهم نماذج هذه المعرفة الاجتماعية التي نحتاج إليها: المفاهيم الأساسية لعلم الاجتماع في كتاب ماكس فيبر الاقتصاد والمجتمع. وينصح بقراءة أعمال توماس شيللنج وألبرت هيرشمان وألكسيس توكفيل وغيرهم من العلماء المبدعين الذين تساعد قراءة أعمالهم على تنمية العين السوسيولوجية.

من أعماق العلم والمعرفة إلى آفاق الفن والخيال

  "مهما كان عمق معرفتك الأساسية بماهية النظرية الاجتماعية، ومهما كانت درايتك بالمزيد من التصورات النظرية والآليات والنظريات، إذا لم تكن المعرفة المستخدمة بشكل تخيلي، فإن النتيجة ستكون غامضة تقليدية غير إبداعية في الوقت نفسه"[10]. فإذا كان التنظير غير ممكن بدون معرفة نظرية جيدة، فإن التطبيق الحرفي لهذه المعرفة بغياب الخيال والفن سيحرمنا من ارتياد آفاق إبداعية جديدة، فــ"الخيال يمكن أن يضيء الفتيل الضعيف"[11]، حسب التعبير الذي نقله المؤلف عن إيميلي دينكسون. وفي كيفية تدريب خيالنا يلفت المؤلف أنظارنا إلى كتاب الخيال السوسيولوجي لرايت ميلز. ومن ملحق كتاب ميلز المعنون بالبراعة الفكرية، يلخص المؤلف سبع نصائح علمية لتحفيز الخيال الاجتماعي هي: "أن تتبارى وتضع كل الملاحظات الخاصة مع بعضها بعضًا، أن تكون مرحًا مع الكلمات، أن تنشئ تصنيفات وتبويبات جديدة، أن تنظر إلى القضايا التي هي على النقيض مع ما تقوم بدراسته، أن تعكس إحساسك بالتناسب، أن تنظر إلى الحالات ذات الطابع المقارن، أن تكتب وتفكر في كل ما يتعلق بالقضايا والأفكار الرئيسية"[12]. وفي هذا السياق تحدث المؤلف عن دور الفن في جعل العلماء الاجتماعيين أكثر خيالية. ويخلص إلى أنه من الممكن استخدام الفن في ممارسات عملية تهدف إلى زيادة مهارة التنظير وتضييق الفجوة بين العلماء والفنانين، ويقترح بعض التدريبات في استخدام أشكال فنية في مجال العلم الاجتماعي.

يتطرق المؤلف للجدل الدائر بين علماء الاجتماع حول الأسلوب العلمي والأدبي في كتابة البحث الاجتماعي. فلا يرى مانعًا من أن يكون الباحث عالمًا متمكنًا من اللغة العلمية المنطقية التحليلية، وأن يكون في الوقت نفسه كاتبًا مبدعًا. ويستشهد بالجودة الفنية المميزة لكتابات ماركس وفيبر وكينز، موضحًا السياقات التي يرجح أن تتغلب فيها اللغة العلمية على الأسلوب الفني والسياقات التي تسمح بالصياغة الفنية.

خلاصة وتقييم

  • يعيد سويدبرج في هذا الكتاب الاعتبار للنظرية الاجتماعية ولأهمية التنظير، بعد أن تحولت كتابة الفصول النظرية في مجال العلم الاجتماعي إلى مجرد استيفاء شكلي مبتور الصلة بما قبله وما بعده. ويعكس ذلك الواقع البائس لعلم النظرية والتنظير ضعف تأهيل الباحثين في مجال التنظير، وبناء النظريات وتوظيفها في خدمة المعرفة والبحث العلمي.
  •  تتمحور فكرة الكتاب في إعادة بناء الثقة بأن التنظير يمكن تعلمه لأي فرد، وليس حكرًا على الموهوبين بصورة استثنائية. وفي سبيل ذلك يحاول المؤلف إزاحة الغموض حول كيفية بناء النظرية، والسير في مراحل التنظير، وتشجيع الباحثين على تنمية خيالهم السوسيولوجي، وخوض غمار التنظير، والتحرر من حالة التردد والتهيب على أمل أن يفضي ذلك إلى تحويل التنظير إلى حرفة.
  • يساهم هذا الكتاب في إعادة التفكير في كيفية بناء الباحثين للإطار النظري، والتعامل مع النظريات بكفاءة وإبداع.
  • يقترح المؤلف أن يبدأ الباحث قبل التخطيط للدراسة الرئيسية بتنفيذ دراسة تمهيدية استكشافية أولية، ويبدأ فيها بالتنظير واستكشاف الأفكار الجديدة والتعامل الجاد مع البيانات، ويسمي هذا السياق سياق الاكتشاف.
  • يستلزم التنظير من وجهة نظر المؤلف خطوات عملية تبدأ من الملاحظة، وتسمية الظواهر، وبناء المفاهيم وتصنيفها، واستخدام الاستعارات، وصولًا إلى مرحلة بناء النظرية وتقديم التفسير.
  •  يساهم الكتاب في تعريف الباحثين كيفية تطوير قواعدهم الخاصة في الاستدلال، بالإضافة إلى استيعاب قواعد الاستدلال التي راكمتها المعرفة الإنسانية.
  • يرشد الكتاب الباحثين إلى كيفية اختيار موضوعات تدخل في دائرة اهتمامهم الخاص ولم يسبق العمل عليها، كشرط للنجاح في ممارسة التنظير الإبداعي، ويعزز ذلك بفصل خاص بالتدريبات العملية.

يدعو الكتاب الباحثين إلى تنمية بصيرتهم النظرية وملكاتهم الفنية والخيالية، ويرشدهم إلى كيفية استخدامها في العلوم الاجتماعية.


* عن منتدى العلاقات العربية والدولية وبإذن من الكاتب 


[1] فن النظرية الاجتماعية، ص 32.

[2] المصدر نفسه، ص 82.

[3] المصدر نفسه، ص 86.

[4] ص 111.

[5] ص 166.

[6] بدون شرح من ص 172.

[7] ص 177.

[8] ص 199.

[9] ص 200.

[10] ص 221.

[11] ص 199.

[12] ص 226.