نسخة تجريبية

نتائج أولية : تمثلات ومواقف وممارسات المغاربة إزاء كورونا


النتائج الأولية لدراسة تمثلات ومواقف وممارسات المغاربة إزاء كورونا

الملخص

  •  تشكل النتائج الواردة في هذا التقرير بعض النتائج الأولية للمرحلة الأولى من البحث الذي ينجزه الفريق البحثي لمؤسسة منصات.
  • هم هذا البحث الكمي 2556 شخصا، واستمر ما بين بين 4 و28 أبريل 2020 والتي تتوافق مع المرحلة الأولى من الحجر الصحي فيما يواصل الفريق البحثي لمنصات موجة ثانية من البحث التي ترافق المرحلة الثانية من الحجر الصحي.
  • عينة البحث تظل متوازنة وذات خصائص تمثيلية من حيث الجنس ومحل السكنى والتوزيع حسب الجهات: حيث يمثل الإناث %49 مقابل 51% من الذكور. و52,7 % من مجتمع البحث يسكنون المدن، في حين 39 % بالعالم القروي و 8,03 % يسكنون بالمدار شبه الحضري. 
  •  أبرز البحث أن أفراد العينة يتوفرون على معرفة وافية بكورونا إذ استطاعوا موقعته ضمن الفيروسات بأكثر من 98% ولم يتم خلطه مثلا مع البكتيريا، الطفيليات أو الميكروبات.
  • وفي ما يتعلق بمصدر المعلومات حول الفيروس، يواظب %77,9 على تتبع وسائل الإعلام الوطنية وبخاصة الأنترنيت الذي يتوفر على إمكانية ولوجه 97% من عينة البحث. غير أن مصدر الفيروس يظل محل قلق. 
  • عبر أكثر من نصف العينة، أي ما نسبته 58.7% من المجموع، عن قناعتهم بفكرة الصناعة المخبرية للفيروس. ومن جهة أخرى يعود خوف %56 من المبحوثين من فتك كورونا إلى ضعف وهشاشة البنيات الصحية والاستشفائية بالبلاد.
  •  حظيت التدابير المتخذة من طرف السلطات العمومية بدرجة عالية من الثقة، بحيث أن 87.9% اعتبروها ضرورية، و 93% عبروا عن الرضا عنها و إن بدرجات متفاوتة. 
  • حظي قرار السلطات بإغلاق المساجد وأماكن العبادة بالقبول وهو ما عبرت عنه نسبة 96.1% من المبحوثين الذين اعتبروا أن ذلك كان إجراء ضروريا. وانخراط 73.4% من مجموع المستجوبين في عمليات للتوعية بمخاطر كورونا.

تقديم

لم يفرض كورونا تحديات عميقة على البيولوجيين، وعلماء الصحة، والأطباء وشركات تصنيع الأدوية والسلطات السياسية فقط، بل فرض بالتوازي مع ذلك إكراهات وتحديات كبيرة على العلوم الإنسانية ومختصيها. إن عدم تمكن المختبرات العلمية من إنتاج عقار أو لقاح ضد المرض ومضاعفاته حتى اللحظة، وهو في حد ذاته تحد علمي يتواصل الجدل حوله، يجعل من الوقاية سبيلا وحيدا للخلاص من المرض مما يطرح سيلا من الأسئلة حول طبيعة تصورات الناس للمرض، للفيروس، ولكيفية التعاطي مع الأوبئة والجائحات لتفادي الإصابة، أسئلة قد تجيب العلوم الاجتماعية عنها بنوع من النجاعة.

في المغرب، وغداة الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية والإجراءات المصاحبة لها، من قبيل تحديد فترات الخروج، التسوق، حظر السفر بين المناطق والمدن، ومنع الصلاة في المساجد... واجهت السلطات العمومية بشكل عام تحدي "المعرفة السائدة" حول خطورة المرض وكيفية انتشاره والتمثلات السائدة حوله. فعلى سبيل المثال، خرجت جموع من المواطنين بطنجة وفاس ومدن أخرى في تظاهرات ليلية، وخاصة بالأحياء الشعبية للتظاهر ضد قرار إغلاق المساجد بل وضد المرض نفسه حين رفعوا شعارات من قبيل "كورونا سير فحالك، المغرب ماشي ديالك"، هذه الممارسات وغيرها كثير، شكلت تحديا حقيقيا للسلطات العمومية، للتعامل مع السلوك اليومي للناس في ظرف شديد التعقيد كهذا المرتبط بتفشي وباء كورونا، إن نحن اعتبرنا نظرية التمثلات، بتصورات معينة للمرض والصحة والعلاقة مع المؤسسات التي تصدر القرارات

إن هذه الحوادث وغيرها، ذات الصلة، تسائل مدى فهمنا لممارسات، وتمثلات وتصورات الناس للجائحة، وللفيروس، ذلك أن سوء فهم هذه التمثلات والتصورات يجعل من كل السياسات والإجراءات المتبعة الوقائية والتدبيرية تصطدم بواقع تصورات عامية قد تشكل عائقا أمام نجاعة وفعالية الإجراءات البرامج التوعوية. فبالرغم من المجهودات المبذولة في هذا الصدد من طرف عدد من مؤسسات الدولة إلا أن عدم فهم التمثلات السائدة قد تكون له عواقب وخيمة.

وعليه، يصبح من غير المقبول أخلاقيا وعلميا بقاء العلوم الاجتماعية والسوسيولوجيا في طليعتها، ساكنة وجامدة أمام جائحة لها من المظاهر والآثار الاجتماعية ما قد يغير وجه المجتمعات وأشكال الاجتماع الإنساني بشكل جذري مستقبلا.

وانطلاقا من ذلك، وباعتبار "منصات" إطارا للتفكير والبحث السوسيولوجي، وفي الوقت الذي يعرف فيه العالم الكثير من الشك والترقب إزاء انتشار فيروس كورونا المستجد؛ أطلقت المؤسسة وباعتماد على إمكاناتها الذاتية، بحثا كميا يمتد على ثلاث مراحل تتوافق مع بداية الحجر، تمديده ونهايته المحتملة. نتوخى من نتائجه أن تكون شهادة سوسيولوجية على واقعة سوسيو- صحية اخترقت المجتمع المغربي بمختلف طبقاته وفئاته الاجتماعية وعلى امتداد جهاته ومناطقه.

منهجية البحث

يهدف هذا البحث إلى فهم مدى إدراك الأفراد لطبيعة الوضع القائم سواء على مستوى تصوراتهم، مواقفهم وممارساتهم.  ويحكم البحث منطق الاستكشاف والمواكبة باستحضار البعد الزمني حيث يواكب للحظات الثلاث الكبرى والمتمثلة في بداية الحجر، ومرحلة تمديده ونهايته المحتملة.  وتشكل النتائج الواردة في هذا التقرير بعض النتائج الأولية للمرحلة الاولى من البحث التي تزامنت وفترة الحجر الصحي الأولى. ويعتمد هذا البحث الكمي على الاستمارة كأداة. وقد فرضت ظرفية الحجر الصحي اللجوء الى توزيع استمارة تضم36 متغيرا عبرالأنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي. وتضم هذه الاستمارة ثلاثة محاور كبرى: معرفة المرض أسبابه وكيفية انتقاله وطرق انتقاله. واحتوت أيضا على المواقف من المريض ومن المرض ومن الإجراءات المتخذة من طرف السلطات العمومية. أما المستوى الثالث فيهم تمثلات المرض أسبابه وطرق معالجته وكيفية الحماية منه. وبهدف ضمان مصداقية الأجوبة وتنوع العينة، سهر الفريق البحثي على استثمار عدد من التقنيات من بينها التأكد من عدم ملء الاستمارة من طرف الروبوت من خلال التأكد من IP وإتاجة إمكانية تسجيل البريد الإلكتروني اختياريا. وضمان تمثيلية العينة من حيث التوازن في محل الإقامة ما بين العالم القروي والحضري، والنوع، والتوزيع حسب الجهات. غير أن الطبيعة الإلكترونية للبحث حرمتنا من التوفر على تمثيلية من هم بدون أي مستوى دراسي حيث أن كل أفراد العينة متمدرسون وإن بشكل متفاوت.

بعض خصائص العينة

هم هذا البحث 2556 شخصا، واستمر ما بين بين 4 و28 أبريل 2020 والتي تتوافق مع المرحلة الأولى من الحجر الصحي. وبالرغم من الصعوبات التي يطرحها البحث الكمي عن طريق الأنترنيت، فإن عينة البحث تظل متوازنة وذات خصائص تمثيلية من حيث الجنس ومحل السكنى: حيث يمثل الإناث %49 مقابل 51% من الذكور. و52,7 % من مجتمع البحث يسكنون المدن، في حين 39 % بالعالم القروي و 8,03 % يسكنون بالمدار شبه الحضري.

 

 

ويشكل الشباب الفئة الأكثر تمثيلا في العينة وهذا راجع بالأساس الى لجوئنا لوسائل إلكترونية، والتي تعرف استعمالا مكثفا من طرف الفئة العمرية المتراوحة اعمارها ما بين 15 و30 سنة. ويشكل الطلاب 19,7% والتلاميذ 19,4 %، موظفو القطاع العام 17 % والعاملون بالقطاع الخاص 13,7 %، أما الباحثون عن عمل فهم بنسبة17 %.

 

النتائج الأولية

المعرفة بالفيروس وأشكال الحماية

أثبثت النتائج أن المبحوثين يتوفرون على معرفة وافية بكورونا إذ استطاعوا موقعته ضمن الفيروسات بأكثر من 98% ولم يتم خلطه مثلا مع البكتيريا، الطفيليات أو الميكروبات. كما أن معرفة المبحوثين بالأعراض الطبية للفيروس، وأمكنة انتشاره والخطوات المفروض اتباعها في حالة الشك في اصابته شخص من داخل المحيط، تظل معرفة مقبولة. فقد اعتبر أكثر من 80% من المبحوثين أن انتقال العدوى يمكن ان تحصل في أي مكان فيما لا يدري سوى 1% من المستجوبين طريقة انتقال العدوى. وقد يعزى ذلك إلى طبيعة العينة ومستواها الدراسي حيث يغيب من هم بدون مستوى دراسي. كما يمكن أن يعزى الأمر أيضا إلى دور وسائل الإعلام، حيث يتابع %77,9 أخبار كورونا بشكل مواظب من خلال وسائل الإعلام الوطنية وبخاصة الأنترنيت الذي يتوفر على إمكانية ولوجه 97% من عينة البحث.

مصدر الفيروس والصناعة المخبرية

عبر أكثر من نصف العينة، أي ما نسبته 58.7% من المجموع، عن قناعتهم بفكرة الصناعة المخبرية للفيروس، بينما أكد أقل من الثلث بنسبة 27.8%، على أن الأمر يتعلق بمرض طبيعي كغيره من الأمراض. في حين توزع باقي المبحوثين، بين نسب لا تتجاوز5% لكل جواب، حول تصورات قدرية وتلقائية تنسب بداية الوباء للعقاب الإلهي أو لمفاعيل الصدف وغيرها.

في قراءة لهذه النتائج ومدى تقبل المجتمع من خلال العينة المدروسة لوضعية انتشار وباء كوفيد 19 بالمغرب، والإجراءات المتخذة للحد منه، بعد شهر من إعلان حالة الطوارئ الصحية، يتبين أن هناك إجماعا حول وضعية الخطورة التي أحدثها دخول الوباء وانتشاره على مستوى الوطن ككل، مع تباينات واضحة في بقية المواقف والاتجاهات المتعلقة بتفسير أسبابه وتوقع نتائجه. فإذا كان اكتشاف العلاج يبدأ من لحظة اكتشاف سبب ومادة الوباء فإن حالة الارتباك والريبة الواضحة في خطابات النخب داخل المجتمع المغربي وعلى مستوى العالم ككل، وتعارض المقاربات العلمية والقراءات السياسية للموضوع أحيانا، قد قلل من حظوظ الإحساس بالأمن الوجودي لدى الأفراد والجماعات. وهذا الأمر ينعكس على الوعي الشعبي الذي يبلور بدورمحكيات وتمثلات اجتماعية، قائمة على استثمار الإشاعة وإعادة تركيب المعطيات المجزأة والمتعارضة السائدة، حول مصدر الفيروس ومدى خطورته ومآلاته

وتزداد حالة القلق ليس فقط بارتباط بالغموض الذي يلف مصدر الفيروس بل أيضا بالشك في فعالية النظام الصحي للمؤسسات العلاجية  حيث يعزو أكثر من نصف المستجوبين سبب الخوف من الفيروس إلى ضعف المؤسسات الصحية بالبلاد.

خطورة الفيروس وقلق من هشاشة البنيات الصحية

المصاب بوباء كورونا المستجد "يشكل خطرا على غير المصابين". هذه القناعة تقترب من مستوى الاجماع بين المبحوثين، بمختلف انتماءاتهم الاجتماعية والثقافية، الجغرافية والمهنية، ومختلف فئاتهم العمرية و توجهاتهم الفكرية ومستويات تكوينهم المعرفي والعلمي. إذ إن الوباء المستجد سريع الانتشار مع استمرار اختلاط المصابين بالمعرضين للإصابة به، ودرجة فتكه حسب المعدلات العالمية والوطنية مثيرة للقلق. ولهذا نجد أنه،  بعد استثناء المترددين في حسم مواقفهم بما نسبته 5.5%، وهم الذين يمكن عدهم مستسلمين لأقدارهم أو مطمئنين نسبيا لإجراءات الاحتراز والوقاية التي تساعد في تخفيف انتشار الوباء، فإن أكثر من تسعة أعشار المبحوثين يعبرون عن قلقهم المتوسط والطبيعي بنسبة 37.4%، وبالمستوى الشديد عند 55.7% من المواطنين. وعطفا على ما سبق يرجع 36% من المبحوثين خوفهم ذاك إلى عدم وجود علاج فعال للكورونا، في حين أن 52.6% من المبحوثين  يعود خوفهم من فتك كورونا إلى ضعف وهشاشة البنيات الصحية و الاستشفائية بالبلاد.

            إذا كان خطر نقل الوباء من المصابين في اتجاه غيرهم ممن يشكلون نسيج المحيط الاجتماعي، الذي يتحركون داخله ويحتضنهم جميعا، واقعا واردا ومحسوسا، فإن تقبل فكرة عزل المصابين وفرض حالة الحجر الصحي تبقى إجراء متفهما ومقنعا نسبيا للحد من الوباء والتخفيف من عدد الإصابات به، ومن أجل استيعاب المؤسسات الصحية للحالات المعروضة عليها من أجل العلاج. لكن السؤال الذي يطرح حول وضعية الشخص بعد العلاج، ومدى قدرة المنظومة الاجتماعية على إعادة استيعابه وحفظ مكاسبه السابقة يحيلنا على إجابات متباينة، حيث بينت نتائج البحث أن ثلاثة أرباع المغاربة هم فقط من يعبرون عن استعدادهم للتعامل العادي مع المصاب بالوباء بعد شفائه، في الوقت الذي يتحفظ فيه خمس العدد الإجمالي بحجة عدم المعرفة بالمطلوب فعله، بموازاة رفض 5.5% من مجتمع البحث إعادة العلاقات الاجتماعية المعتادة سابقا بالمتعافي من الوباء.

وإذا ما تطورت مواقف الأشخاص وتمثلاتهم في اتجاه الرفض المعبر عنه، بنسبة ضعيفة لحد الآن، فقد يتحول المرض إلى وصم اجتماعي يلازم المصاب بوباء كورونا المستجد بعد شفائه، وهذا سيمدد من زمن المضاعفات والأعراض الاجتماعية للوباء، حتى بعد نهايته.

  إجراءات السلطات العمومية والمسؤولية المجتمعية

حظيت التدابير المتخذة من طرف السلطات العمومية بدرجة عالية من الثقة، بحيث أن 87.9% اعتبروها ضرورية، و 93% عبروا عن الرضا عنها و إن بدرجات متفاوتة. هكذا نلاحظ مثلا أنه بالرغم من حساسية الموضوع ومصادفته لشهر رمضان، فقد حظي قرار السلطات بإغلاق المساجد وأماكن العبادة بالقبول وهو ما عبرت عنه نسبة 96.1% من المبحوثين الذين اعتبروا أن ذلك كان إجراء ضروريا. والواضح أن هذا الرضا والدعم صاحبهما انخراط 73.4% من مجموع المستجوبين في عمليات للتوعية بمخاطر كورونا، مما يدل على وجود قدر كبير من الإحساس بالمسؤولية المجتمعية لديهم. وتظهر أيضا هذه المسؤولية في كون 77.9% من العينة المبحوثة تتابع الإعلام الوطني حول الجائحة بشكل مستمر. كما أن الحديث مع الأقرباء والآخرين عند 99% من المستجوبين غالبا ما يتم التطرق فيه للجائحة بهذا القدر أو ذاك.

الى جانب هذه المعطيات نستشف من نتائج البحث بعض السلوكيات وردود أفعال المواطن المغربي، فالخطوة الأولى مثلا التي تم القيام بها استعدادا لحالة الطوارئ كانت في أكثر من 50% من الحالات، اي ما يفوق ألف مبحوث، القيام بشراء معدات منزليه وأدوات ضرورية، وقد أكد في هذا الصدد 93% من العينة أنهم يتعايشون مع الإجراءات المتخذة بشكل جيد ومحتمل، أما فيما يخص طبيعة الإحساس الذي خلقه اعلان حالة الطوارئ الصحية، فهي تتأرجح بين حالة الثقة في قرار السلطات بنسبة 33,8%، وحالة الاكتئاب والحزن 34,4%، الضغط والقلق بنسبة 10.4 %، في حين أن 12,2 %، يشعرون رغم كل شيء بالسكينة والطمأنينة.  وهذا الشعور بالاطمئنان والثقة في الإجراءات العمومية المترافق بالشعور بالمسؤولية المجتمعية لدى أفراد العينة المدروسة، جعل 78% منهم لا يتطلعون إلى تغيير المكان الذي يقيمون فيه.